أنا اسمي مريم… والشريط ده عليه اسمي، بخط جدي.
التاريخ: مارس ١٩٦٢. المشكلة؟ أمي نفسها ما كانتش اتولدت ساعتها.
أول ما دوست تشغيل… ما سمعتش أغنية. سمعت صوتي أنا.
كان جاي وسط تشويش راديو قديم، وبيقول: يا جدي… لو سامعني، ما تقفلش الراديو.
جدي كان بيصلّح راديوهات في القاهرة. ومن الليلة دي، قضى تلاتين سنة بيدوّر على الصوت اللي جاله من بكرة.
٠١ — القاهرة، ١٩٦٢. كل حاجة بدأت بدقة شاكوش على النحاس.
بعد الدقة مباشرة، التشويش اتفتح لثانية. جدي كتب على الشريط: النبضة الأولى.
وفي آخر الثانية… سمع البنت بتقول: اسمي مريم.
الاسم ده ما كانش موجود في العيلة لسه. وعلى ضهر التسجيل، لقى كلمة واحدة: إسكندرية.
الدائرة النحاسية لفت… وبقت عجلة ترام بتجري ناحية البحر.
٠٢ — إسكندرية، ١٩٦٩. جرس ترام الرمل رجّع نفس التردد.
المرة دي، الصوت كان أوضح: لسه بدري يا جدي… بس إنت ماشي صح.
أسلاك الترام رسمت طريق على الخريطة… والطريق وقف عند الدلتا.
٠٣ — الدلتا، ١٩٧٦. مع كل لفة للساقية، التشويش كان بيرجع أقل.
وقبل ما الصوت يختفي، قال له: دوّر على الهوا اللي ملوش باب.
٠٤ — سينا، ١٩٨٢. جدي استنى وسط الجبل تلات ليالي، والراديو ساكت.
في الليلة التالتة، الريح دخلت جوّه التردد… وسمعني بقول: خلي الشريط شغال.
وبعدها همست له: أنا لسه ما وصلتش.
خط الريح اتحوّل لحبل شراع… والتردد نزل معاه ناحية النيل.
٠٥ — النيل، ١٩٨٦. كل ضربة مجداف كانت بتمسح حتة من التشويش.
لحد ما جدي سمع ضحكتي كاملة… نفس الضحكة اللي بسمعها دلوقتي وأنا ماسكة الشريط.
٠٦ — النوبة، ١٩٨٩. أول دقة دف دخلت على التسجيل، وبعدها الخمس أصوات ردّوا عليها.
الست أصوات ركبوا فوق بعض… لكن اللحن فضل ناقص نبضة واحدة.
جنب العلامة السابعة، جدي كتب آخر ميعاد: القاهرة — ١٩٩٢ — الساعة ٠٤:٤٧.
رجع للورشة قبل الفجر، قفل الباب، وحط الراديو قدامه. المرة دي، الصوت جه من غير تشويش.
سمعني بقول: أنا مريم… حفيدتك.
أنا جاية من بكرة… من وقت إنت مش هتكون موجود فيه.
إنت مش بتجمع أصوات مصر عشان تحبس الماضي… إنت بتبعتهالي، عشان لما أجي أعرف أنا جاية منين.
بصّيت في الساعة. كانت ٠٤:٤٧ بالظبط. ساعتها فهمت ليه آخر مكان على الشريط كان فاضي.
الشريط مكنش ذكرى… كان ميعاد. دوست تسجيل وقلت: يا جدي… لو سامعني، ما تقفلش الراديو.
القاهرة — الآن — ٠٤:٤٧
المعاد
الشريط مكنش ذكرى… كان ميعاد.
يا جدي… لو سامعني، ما تقفلش الراديو.
This story was designed by PROJECT ALPHA TECH